الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
58
الأخلاق في القرآن
فعل يفعله الإنسان سيؤثر في روحه ونفسه ، وسيعمِّق ذلك الأثر حتى يصبح عادةً ، وإذا تكرّر بصورة أكبر فسيتعدّى مرحلة العادة ، ويتبدّل إلى « مَلَكةٍ » و « حالةٍ » ، تدخل في الخصوصيّات الأخلاقيّة للإنسان . وعلى ذلك ، فإنّ العمل والأخلاق لهما تأثيرٌ مُتقابل ، ويمكن أن يكون أحدهما سبباً للآخر . ولهذه المسألة شواهدٌ كثيرةٌ في القرآن الكريم منها : 1 - في الآية ( 14 ) من سورة « المطفّفين » ، وبعد الإشارة إلى الصفات القبيحة لطائفةٍ من أهل النار ، والمعذبين ، قال الله تعالى : « كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ » . وهذه الآية دليلٌ على أنّ الأعمال القبيحة تجثم على القلب ، كما يجثم الصّدأ على الحديد ، وتُزيل النّور والصّفاء الفطري الدّاخلي للإنسان وتُطفئهُ ، وتصوغه بقالبها . 2 - في الآية ( 81 ) من سورة البقرة قال الله تعالى : « بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ » . والقصد من الإحاطة للخطيئة ، هو تراكم إفرازات الخطيئة في نفس الإنسان حتى تصل النّفس إلى مرحلة الختم ، والطّبع ، وتتطبّع بالذنوب ، فلا يُفيد فيها النّصح والموعظة ولا الإرشاد ، وكأنّه قد تغيّرت ماهيّة ذلك الإنسان ، وصفاته الإخلاقية في واقعه النفسي ، بل وبالإصرار على الذّنوب ، فإن المعتقدات الدينيّة للفرد ستطالها يد التّغيير أيضاً . كما وأشارت الآية ( 7 ) من سورة البقرة الواردة في بعض الكفار المعاندين ، إلى هذا المعنى أيضاً ، حيث تقول : « خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ » . ومن الواضح أنّ الباري تعالى شأنه : لا يتعامل مع أحد من الناس من موقع العداوة والخُصومة ، ولكنّ الواقع أنّ آثار أعمال الناس هي التي تضع الحُجب والحواجز على الحواسّ ، فلا تُدرك الحقيقة ، ( ونسبة هذه الأمور للباري تعالى ، إنّما هو لأجل أنّ اللَّه تعالى هو مُسبّب الأسباب وكلّ شيء إنّما يصدر عن ذاته المقدّسة ) . وفي الآية ( 10 ) من سورة « الرّوم » يتعدى ذلك ويقول الله تعالى : إنّ الأفعال السيّئة تغيّر